(JSteffen) http://wikimapia.org/#lang=ar&lat=55.750000&lon=37.616600&z=12&m=w&show=/user/2 — CC BY 2.5 · ويكيميديا كومنزخربة العمباشي: قرى الرعاة في الصحراء السوداء
موقع من العصر البرونزي على أطراف الحرّة شرق شهبا، مساحته أكثر من مئة هكتار، فيه سدود وحظائر حجرية هائلة — وعظام حيوانات باغتتها الحمم.
موقع من العصر البرونزي على أطراف الحرّة شرق شهبا، مساحته أكثر من مئة هكتار، فيه سدود وحظائر حجرية هائلة — وعظام حيوانات باغتتها الحمم.
على بُعد ستّة وثلاثين كيلومترًا شرق شهبا، حيث ينتهي جبل العرب وتبدأ الحرّة — بحر الحجارة البركانية السوداء الذي يسمّيه الباحثون «الصحراء السوداء» — يقوم موقع مساحته أكثر من مئة هكتار: خربة العمباشي.
وهي مع جارتيها خربة الهبارية وخربة الدبب ثلاثة مواقع متجاورة من عصر واحد، وقد نقّبت فيها بعثة فرنسية سورية مشتركة بين ١٩٩١ و١٩٩٦ ونشرت نتائجها في كتاب عنوانه يلخّص الموضوع كلّه: «قرى ومخيّمات رعاة في الصحراء السوداء».

لماذا هنا؟ سؤال لم يُحسم
الموقع على حافّة أرض قاحلة، وليس فيه ما يميّزه على جيرانه: وادي العمباشي إلى جانبه يعطي ماءً ومرعى، والمراعي الصيفية في جبل العرب ليست بعيدة — لكنّ ذلك متوفّر في مواضع أخرى كثيرة.
ولذلك يميل الباحثون إلى جواب اجتماعي لا جغرافي: أنّ الذين نزلوه اختاروه لصلتهم بأهل جنوب سورية، لا لأنّ الأرض هنا أكرم. وهذا في نفسه معلومة عن كيف تُختار المواضع: الناس يستوطنون قرب من يعرفون، لا قرب أفضل ماء.
قرية أم مخيّم؟ الاثنان
سُكن الموقع بشكل متقطّع على مدى ألفَي سنة — من الألف الرابع إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد — وهُجر وأُعيد سكنه مرارًا. وأهله في أغلب تلك المدّة رعاة مواشٍ يعتمدون على التنقّل، والزراعة عندهم قليلة جدًّا.
وهذا ما يجعل الموقع مهمًّا: أكثر ما نعرفه عن العصر البرونزي جاء من المدن — من إيبلا وماري وأوغاريت وقصورها وأرشيفاتها. أمّا الرعاة الذين كانوا يمرّون بين تلك المدن ويبيعونها الصوف واللحم فلا يتركون أرشيفًا ولا قصرًا. والعمباشي واحد من قلائل المواقع التي يمكن أن يُقرأ فيها الطرف الآخر من ذلك الاقتصاد: مخيّم يُقام ثمّ يُترك، وحظائر حجرية واسعة، وطبقات من عظام الماشية.
سدٌّ لتخزين الماء من الألف الثالث قبل الميلاد، مبنيّ داخل سور الموقع: رعاةٌ يبنون هندسة ماء ثابتة لأجل قطيع متنقّل.
الماء، وهو المفتاح
في الموقع سدود لتخزين الماء يعود أحدها إلى الألف الثالث قبل الميلاد، مبنيّ ضمن منظومة تحصين الموقع نفسها. وهذه مفارقة ظاهرها التناقض وباطنها هو الجواب: مجتمع متنقّل يبني منشأة ثابتة.
والسبب أنّ الترحال ليس تيهًا. القطيع يدور في مدار معروف بين مرعى الصيف ومرعى الشتاء، ويعود إلى النقاط نفسها كلّ سنة — فيُجدي أن تُبنى عند إحداها بركة تحتفظ بمطر الشتاء إلى أن يعود الناس إليها. وهو المبدأ نفسه الذي قامت عليه الأندرين في بادية حماة بعد ثلاثة آلاف سنة: الحدّ بين المعمور والخالي خطٌّ في الهندسة لا في المطر.
عظامٌ باغتتها الحمم
وأغرب ما في المكان أثر ثورانات جبل العرب البركانية. فقد خرّبت المنطقة أكثر من مرّة، وتركت في الموقع بقايا عظام حيوانات فاجأتها الحمم — وحُفظ في بعضها ما لا يُحفظ عادةً: آثار جلود وشرايين وأجنّة.
وهذه حالة حفظ استثنائية. فعظم الحيوان في موقع أثري عاديّ يخبرنا بالنوع والعمر وطريقة الذبح؛ أمّا نسيجٌ رخو بقي فيخبرنا بما كان يحدث في تلك اللحظة — أيّ حيوان كان حاملًا، وأيّ قطيع كان في المكان حين انفجر الجبل.
الزيارة، وحال الموقع
الموقع في ناحية الصورة الصغرى بمنطقة شهبا، على ارتفاع نحو ٦٧٠ مترًا، والطريق إليه في الحرّة وعرة. وليس فيه بناء قائم كالقلاع ولا عمود كالمعابد: ما يُرى حظائر وأساسات وسدود وحجارة سوداء إلى الأفق — وهو مشهد لا يشبه شيئًا آخر في هذا الدليل.
وقد ظلّ خارجه سنوات لأنّ إحداثيّته لم تكن معروفة لنا؛ وهي اليوم مثبّتة من أطلس بارينغتون، ومطابقة لِما تقوله المصادر العربية عن بُعده عن شهبا ودمشق.
المصادر
كُتبت هذه المقالة لهذا الدليل، وروجعت معلوماتها الأساسية — الموقع والتأريخ والأسماء — على ويكيبيديا بالعربية والإنكليزية وعلى أوصاف الصور في ويكيميديا كومنز.
إحداثيّة الموقع من أطلس بارينغتون للعالم اليوناني والروماني عبر مشروع Pleiades، وقد قوبلت بالمسافات التي تذكرها المصادر العربية عن بُعده عن شهبا ودمشق.
الصور — كلٌّ باسم مصوّرها ورخصتها:
- (JSteffen) http://wikimapia.org/#lang=ar&lat=55.750000&lon=37.616600&z=12&m=w&show=/user/2 — CC BY 2.5
- (JSteffen) http://wikimapia.org/#lang=ar&lat=55.750000&lon=37.616600&z=12&m=w&show=/user/2 — CC BY 2.5
وكلّ صورة هنا منشورة برخصة حرّة تسمح بإعادة الاستعمال بشرط نسبتها إلى مصوّرها؛ الضغط على الاسم يفتح صفحة الصورة الأصلية.
الموقع على الخريطة
افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 33.0554، 36.9394. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.
سجّل الدخول لتكتب تعليقًا.









التعليقات
لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.