أبو هريرة: القرية التي فيها بدأت الزراعة، وهي تحت الماءZunkir — CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

تلّ على الفرات سكنه الناس أحد عشر ألف سنة متّصلة، وفيه أقدم دليل على زراعة الحبوب — نُقّب على عجل سنة ١٩٧٢ ثم غمرته بحيرة الأسد.

تلّ على الفرات سكنه الناس أحد عشر ألف سنة متّصلة، وفيه أقدم دليل على زراعة الحبوب — نُقّب على عجل سنة ١٩٧٢ ثم غمرته بحيرة الأسد.

على ضفّة الفرات في ريف الرقة كان تلّ اسمه أبو هريرة. وهو اليوم تحت مياه بحيرة الأسد — غمره السدّ سنة ١٩٧٤ — ولا يُرى منه شيء. ومع ذلك فهو من أهمّ عشرة مواقع في العالم لفهم أكبر تحوّل في تاريخ البشر: كيف صار الإنسان مزارعًا.

نُقّب فيه على عجل في موسمين فقط، سنتَي ١٩٧٢ و١٩٧٣، قبل أن يرتفع الماء. وما خرج من هذين الموسمين ما زال يُدرَس ويُناقش إلى اليوم بعد نصف قرن.

أحجار طحن من أبو هريرة، متحف أشموليان.
أحجار طحن من أبو هريرة، متحف أشموليان.Zunkir — CC BY-SA 4.0 · ويكيميديا كومنز

أحد عشر ألف سنة في تلّ واحد

ما يجعل أبو هريرة نادرًا أنّه سُكن متّصلًا من نحو ١١٠٠٠ سنة قبل الميلاد إلى نحو ٥٠٠٠ — أي عبر التحوّل كلّه، من أوّله إلى آخره، في مكان واحد.

في أوّله كان قرية صيّادين وجامعي نبات يعيشون على الغزلان التي تمرّ في هجرتها السنوية وعلى مئات الأنواع البرّية من البذور. وفي آخره كان قرية مزارعين فيها آلاف من السكان، يزرعون القمح والشعير ويربّون الغنم والماعز. وبينهما، في الطبقات نفسها، يُقرأ الانتقال خطوة خطوة — وهذا ما لا يعطيه موقعان مختلفان مهما تشابها.

لم تبدأ الزراعة في يوم ولا باختراع: بدأت حين جفّ المناخ فقلّ ما يُجمع، فزُرع ما كان يُجمَع.

أقدم حبّة زُرعت، وثمنها

من أبو هريرة جاء أحد أقدم الأدلّة على زراعة متعمّدة للحبوب، من زمن موجة برد وجفاف حادّة ضربت المنطقة (تُعرف بالدرياس الأصغر). فحين شحّ النبات البرّي، بدأ الناس يزرعونه بأنفسهم. أي أنّ الزراعة لم تكن ترفًا ولا اكتشافًا سعيدًا، بل جوابًا على أزمة.

وأغرب ما في الموقع دليل على ثمن ذلك، وهو مكتوب في العظام. ففي هياكل نساء القرية تشوّهات متكرّرة في أصابع القدم والركبتين وفقرات الظهر والذراعين — وهي بالضبط ما يحدث لمن يجثو ساعات كلّ يوم يدفع حجرًا على حجر ليطحن الحبّ. جيل بعد جيل من النساء طحنّ حتى غيّر الطحن هيكلهنّ.

هذه أوضح صورة نملكها لما كلّفته الزراعة. أعطت طعامًا أكثر وسكانًا أكثر، وأخذت مقابل ذلك عملًا يوميًّا شاقًّا لم يكن الصيّاد يعرفه. ولقى الموقع اليوم في متاحف بريطانيا وفي متاحف سورية، والتلّ تحت الماء.

المصادر

كُتبت هذه المقالة لهذا الدليل، وروجعت معلوماتها الأساسية — الموقع والتأريخ والأسماء — على ويكيبيديا بالعربية والإنكليزية وعلى أوصاف الصور في ويكيميديا كومنز.

الصور — كلٌّ باسم مصوّرها ورخصتها:

وكلّ صورة هنا منشورة برخصة حرّة تسمح بإعادة الاستعمال بشرط نسبتها إلى مصوّرها؛ الضغط على الاسم يفتح صفحة الصورة الأصلية.

الموقع على الخريطة

افتح الموقع على خريطة أكبر — الإحداثيات: 35.866، 38.4. الخريطة من OpenStreetMap ومساهميها.

التعليقات

لم يكتب أحد بعد. كن أول من يكتب.

برمجة UniSoftCo