
حلب
القلعة على تلّها، وأسواق المدينة المسقوفة، وجبل سمعان بكنائسه المنسية.
لا تُفهم الدبكةُ من الأقدام وحدَها: لكلّ إقليمٍ آلتُه، وتغييرُ الآلة يغيّر الرقصة. هذا جردٌ لما يُعزف في سورية: المجوز واليرغول والشبابة والمزمار، والطبل والدربكة والدفّ، والزرنا في الشمال، والبزق، والربابة في البادية.
حلقةُ الدبكة ليست صفًّا متساويًا: فيها من يقود، ومن يُشعل، ومن يسند الطرفَ الآخر. ولهذه المواقع أسماءٌ في عرف أهلها، ومن عرفها فهم ما يجري أمامه بدل أن يرى مجرّدَ أرجلٍ تضرب.
حين يكفّ الناسُ عن تعلّم الرقصة في البيت، تنتقل إلى الفرق. وفي سورية فرقٌ فولكلوريّةٌ عربيّةٌ وسريانيّةٌ وكرديّةٌ وأرمنيّةٌ وشركسيّة، بعضُها تأسّس قبل سبعين عامًا، وهي التي تُبقي أسماءَ الخطوات وتفاصيلَ الأزياء حيّةً بعد أن تختفي من الأعراس.
الرقصُ الشعبيّ في سورية ليس عرضًا يوميًّا يُشترى بتذكرة: هو تابعٌ للمناسبات. وهذه خلاصةٌ عمليّةٌ لمن أراد أن يرى شيئًا منه: ما له تاريخٌ ثابت، وما يُصادَف، وما لا يُرى أصلًا.
كراتُ لحمٍ مشويّةٍ تُغمر في صلصةٍ من الكرز الحامض المطبوخ، وتُقدَّم على خبزٍ رقيقٍ يشرب الصلصة. صحنٌ لا نظيرَ له في المطبخ السوريّ كلِّه، ولا يُصنع إلّا في موسم الكرز.
فليفلةٌ حمراءُ مشويّةٌ تُهرَس مع الجوز وفتات الخبز ودبس الرمّان وزيت الزيتون. تُؤكل بالخبز في أوّل المائدة، وحرافتُها هي ما يقيس به الحلبيّون الصحن.
الكبّةُ في أكثر المدن ثلاثُ طرق. وفي حلب تُعَدّ بالعشرات: بالسفرجل، وبالحصرم، وباللبن، وبالسماق، ونيّئةٌ، وقرصٌ لا يُحشى أصلًا. ودليلٌ لمن يريد أن يفهم القائمة.
لحمٌ يُملَّح ويُكبَس ويُغطّى بعجينة الحلبة والثوم والفليفلة، ثمّ يُترك في الهواء أسابيع. صنعةٌ أرمنيّةُ الأصل استقرّت في حلب حتى صارت تُنسب إليها.
اسمٌ صار وصفًا: يُقال «فستق حلبي» في كلّ العالم العربيّ عن كلّ فستق. وأصلُه شجرةٌ تُزرع في ريف حلب وإدلب، تحمل سنةً وتُقِلّ في التي تليها، ويُقطَف ثمرُها في آب.
المائدة السورية تُقرأ من أطرافها: عشرة صحون صغيرة قبل الطبق الرئيس، وخبزٌ يُؤكل به بدل الملعقة. دليلٌ لما يُطلب في دمشق وحلب، ومتى يُطلب.
البقلاوة والبرمة والمبرومة والبرازق، وحلاوة الجبن التي تُمدّ باليد وهي ساخنة، وبوظةٌ بالمستكة والسحلب تُدَقّ في جرن حتى تصير مطّاطة تُقطَّع بالسكين.
أربعة مكوّنات فقط: زيت زيتون وزيت غار وماء وقِلي. تُطبخ في مرجل، ثم تُسكب على الأرض وتُقطَّع وتُختَم، ثم تُرصّ أبراجًا مفتوحة على الهواء ستّة إلى تسعة أشهر.
















